بقلم / بسملة خليل
١٠/١٠/٢٠١٠
كان يوم عاصف مليء بالمطر والغيوم مما جعل الناس يختبئون في منازلهم خوفًا من العاصفة التي حلت بالمدينة، وعلى جانب طريق ما كانت تمشي تلك السيارة ببطء شديد نظرًا لكثرة المطر إلى أن توقفت فجأة، حاول أمير إعادة تشغيلها ولكن لم ينجح الأمر،
عم الصمت لثواني داخل السيارة حتى قطعته رحيل قائلة: ماذا حدث؟
أمير: شيء متوقع، تعطلت السيارة.
حل الصمت مرة أخرى تخلله صوت الأمطار التي تضرب السيارة بشدة حتى علقت رحيل: الجو رائع أحب المطر بشدة.
رد زوجها بنبرة مالت للسخرية: أيعجبك ما نحن به الآن؟ تعطلت السيارة ولن نستطيع التحرك إلا بعد انتهاء العاصفة.
ردت عليه قائلة: فلننتظر إذًا حتى تنتهي العاصفة وتمر أي سيارة لتساعدنا.
لم يرد أمير وبعد ثواني استكملت رحيل حديثها متسائلة: ما رأيك أن نرقص تحت المطر؟
أمير: ألا تري أن ما نحن به الآن لا يسمح لنا أن نفعل أي شيء؟
ردت بنبرة امتلئت بحماس لا يتماشى مع الموقف: لما لا يسمح؟ أنا وأنت معًا السماء تمطر والجو هادئ، توقيت مناسب تمامًا للفكرة.
ثم استطردت قائلة: دائمًا ما حلمت أن أرقص تحت المطر مع الرجل الذي أحبه فما رأيك إذًا؟ هل تقبل تلك الرقصة عزيزي أمير؟
رد أمير بقلة حيلة: لما لا؟ أقبل بالطبع.
نزلا من السيارة معًا، تقدم أمير من رحيل مادًا يده لها لتتقدم رحيل وتمسك يده ويبدآ بالرقص معًا، وبعد انتهاء رقصتهما استند أمير على السيارة يشاهد رحيل بابتسامة وهي ترقص تحت المطر كطفلة في العاشرة من عمرها، كانت تدور حول نفسها بسعادة متناسية كل شيء حتى قاطعها صراخ أمير الذي كان يحاول تنبهيها لشيء لم تفهمه واعتلى الرعب ملامح وجهه إلى أن رأته يقترب منها بسرعة شديدة وبعدها عم الظلام واختفى كل شيء..
بعد خمس سنوات من ذلك اليوم..
جلست تلك السيدة التي تخلل الشيب خصلات شعرها أمام المدفأة تستمد الدفء من برد العاصفة التي حلت بالمدينة اليوم تحديدًا دون غيره، ذكرى الوفاة الخامسة لزوجها، سببت العاصفة ضجيجٌ واكب الضجيج الذي بداخلها، ذكرى ذلك اليوم لم تمت بعد، كل شيء يمر أمام عينيها وكأنه حدث البارحة فقط، رغم مرور خمسة أعوام لازال الألم والشعور بالذنب يلاحقها أينما كانت..
كان البيت هادئ يعمه الصمت والظلام إلا من ضوء المدفأة والشموع وصوت ابتلاع النيران لخشب المدفأة والبرق الذي يضرب في السماء بقوة، وفي الكرسي المقابل لها جلست ابنتها، عنود..
قاطعت عنود صمت المكان قائلة: رأيت تلك المذكرات اليوم وانا أبحث لكِ عن الشال الذي تحبينه، أتريدين أن اقرأها لكِ حتى تعود الكهرباء؟
تساءلت رحيل بتعجب: لم أكتب مذكرات يومًا لمن تلك إذًا؟
ردت عنود بعدم معرفة: لا أعلم أظنها لأبي بما أنها كانت في حجرتكم.
وافقتها قائلة: ممكن، حسنًا اقرأي عزيزتي.
بدأت عنود القراءة وهي تقول بمزاح: من الواضح أن أبي كان رومانسيًا للغاية ويعرف كيف يكتب عن الحب
ابتسمت رحيل في صمت لتبدأ عنود القراءة بصوت هادئ:
١/١٢/١٩٨٨
"مر شهران على بداية آخر عام في الجامعة، التقيت خلالهما بالفتاه مجهولة الهوية مرتين، وفي كلتا المرتين كانت تبدو على عجلة من أمرها، تصادمنا مرة ثم وجهت إلي نظرة غاضبة ودون توجيه أي كلمة استدارت وذهبت، في المرة الثانية رأيتها تذهب مع صديقتها بعد إنتهاء محاضراتنا التقت نظراتنا أثناء سيرها ودون إطالة النظر لي كانت تنظر للجهة الأخرى وتمشي مسرعة، لا أعلم لماذا تبغضني إلى هذا الحد"
٢٣/١٢/١٩٨٨
"تكلفنا أنا والفتاة المجهولة وبعض الأصدقاء أن نعمل على نفس المشروع لسنة التخرج، دار أول حديث بيننا اليوم عن مهام كل شخص وعن كيف سيتم تقسيم المهام علينا، لأول مرة لا تلقي عليّ نظراتها الغاضبة، أشعر بسعادة مجهولة المصدر عند رؤية تلك الفتاة، تدعى رحيل بالمناسبة"
١/١/١٩٨٩
"دعتنا صديقة ما من المشاركين معنا في مشروع التخرج على احتفال يوم مولدها، ذهبت ووجدتها هناك، كانت رائعة الجمال، ترتدي فستانًا باللون الأصفر الذي لاحظت أنه يسيطر على جميع ما لديها من ملابس، تركت شعرها منسابًا حول وجهها الجميل مما أعطاها مظهرًا جذابًا للغاية، صافحت جميع الأصدقاء وعندما حان دورها نظرت إليّ وحيتني بإبتسامة بسيطة وأكملت حديثها مع صديقتها، بقدر ما كان أمر بسيط وطبيعي بقدر ما جعلني سعيد، أن تتطور النظرات غاضبة إلى ابتسامة وتحية لهو أمر رائع للغاية"
٣١/١/١٩٨٩
"لم أرها سوى مرة بعد حفل عيد الميلاد وبعدها تغيبت، لم أستطيع أن أسأل أين هي ولكن سمعت صديقتها تقول أن ثمة مشكلة ما تواجه عائلتها ستمنعها من الحضور إلى نهاية الشهر، وها هو الشهر ينتهي أخيرًا، هل سأراها غدًا يا ترى؟"
٢/٢/١٩٨٩
"لم تأتي البارحة أيضًا ولكن أتت اليوم ورأيتها أخيرًا، تبادلنا بعض الأحاديث حول إلى أين وصل كل منّا في الجزء المكلف به، لم توجه لي نظراتها الغاضبة اليوم أيضًا، كانت لحظات ثمينة بالنسبة إليّ عندما تبادلني الحديث أو تضحك على شيء أقوله"
٢٥/٣/١٩٨٩
"توطدت علاقننا للغاية حيث تبادلنا أرقام هواتفنا وتقابلنا عدة مرات كثرت أحاديثنا خلالها حول كل شيء، كانت تساعدني في فهم بعض المحاضرات وأحيانًا تكتب لي ملخصات أستطيع الفهم من خلالها أكثر، وفي مقابلة من مقابلاتنا الصباحية جلبت الطعام لنفطر معًا، كانت تزداد جمالًا وبريقًا في عيني في كل مرة أراها، تتطور مشاعري تجاهها يومًا عن آخر بطريقة خطيرة"
١/٦/١٩٨٩
"لم أكتب هنا منذ فترة ولكن العمل على ذلك المشروع المقيت لا ينتهي، اعترفت لرحيل بمشاعري تجاهها، كانت خطوة جريئة لم أخطط لها ولم أقرر أن أعترف، وجدتني فجأة أتقدم تجاهها وعندما سألتني كيف حالك رددت قائلًا: أنا أشعر بالإعجاب تجاهك وأتمنى لو تبادليني تلك المشاعر..
علت الصدمة وجهها عندما أنهيت حديثي حتى شعرت أنني تفوهت بشيء لا يصح، كدت أنسحب وأنفي ما قولته ولكنني أفقت على ملامحها الخجلة وقولها أنها تشعر بنفس المشاعر وليس لديها مانع لو أعطت لعلاقتنا فرصة، كان ذلك اليوم منذ أسبوع، أستطيع أن أطلق عليه أسعد يوم في حياتي"
١/٧/١٩٨٩
"انتهى العام الدراسي أخيرًا بعد عناء، تخرجت بتقدير عام جيد جدًا، كان عام مميز مليء بالأحداث المشوقة والكثير من التفاصيل الرائعة وبمشاعر لم أسعى يومًا لتجربتها، سأتقدم لعائلة رحيل في نهاية هذا الشهر، اتفقنا على أن تكون الخطبة أربعة أشهر والزواج في الأول من ديسمبر، أتمنى أن يحالفنا الحظ وتسير الأمور وفقًا لخطتنا"
٣١/١٢/١٩٨٩
إلى عزيزتي الغالية رحيل، وبعد/
كانت النهايات السعيدة بالنسبة إليّ مجرد لقطات أراها في التلفاز، أن يحب البطل فتاه تبادله المشاعر وينتهي المطاف بهما زوجان، الأمر أشبه بحلم، أن التقي بكِ في ديسمبر الماضي، أكتب عنكِ في مذكراتي وفي ديسمبر الحالي نتزوج هذا ما لم أتخيله قط، لم تكن النهاية السعيدة نتيجة لتخطيط أيٌ منّا للأمر بل كان محض صدفة شاء القدر أن يجمعنا بها..
عزيزتي وغاليتي رحيل، تلك الرسالة هي نهاية مذكرات ذلك الفتى الذي وقع لكِ دون تخطيط مسبق منه، لن تكتشفي تلك المذكرات إلا في وقت لن أكون حريصًا فيه على تخبئتها منكِ، قد يكون رحيلي السبب وقد يكون فشلي في تخئبتها عن عيناكِ الجميلتين، وفي حالة رحيلي عند قراءتكِ لها اسألي الرب أن يغفر لي ويرحمني، تذكري أنكِ دائمًا ما كنتِ أغلى وأنقى شيء في حياتي، لم أسعى يومًا لتجربة مشاعر الحب ولكن معكِ هُدِم ثباتي وزالت كل دفاعاتي ضده.
ابقي كما عهدتُكِ مبتسمة متفائلة ومحبة للحياه،
من المحب والمخلص لكِ دائمًا/ زوجك العزيز، أمير.

تعليقات
إرسال تعليق